محمد بن جرير الطبري

91

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

جل جلاله أصغر الأَشياء ، وإن خف في الوزن كل الخفة ، ومقادير ذلك ومبلغه ، ولا أكبرها وإن عظم وثقل وزنه ، وكم مبلغ ذلك . يقول تعالى ذكره لخلقه : فليكن عملكم أيها الناس فيما يرضى ربكم عنكم ، فإنا شهود لأَعمالكم ، لا يخفى علينا شيء منها ، ونحن محصوها ومجازوكم بها . واختلفت القراء في قراءة قوله : وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ فقرأ ذلك عامة القراء بفتح الراء من " أصغر " و " أكبر " على أن معناها الخفض ، عطفا بالأَصغر على الذرة وبالأَكبر على الأَصغر ، ثم فتحت راؤهما لأَنهما لا يجريان . وقرأ ذلك بعض الكوفيين : " ولا أصغر من ذلك ولا أكبر " رفعا ، عطفا بذلك على معنى المثقال ؛ لأَن معناه الرفع . وذلك أن " من " لو ألقيت من الكلام لرفع المثقال ، وكان الكلام حينئذ : وما يعزب عن ربك مثقال ذرة ولا أصغر من مثقال ذرة ولا أكبر ، وذلك نحو قوله : مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ و " غير الله " وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ بالفتح على وجه الخفض والرد على الذرة ؛ لأَن ذلك قراءة قراء الأَمصار وعليه عوام القراء ، وهو أصح في العربية مخرجا وإن كان للأَخرى وجه معروف . وقوله : إِلَّا فِي كِتابٍ يقول : وما ذاك كله إلا في كتاب عند الله مبين عن حقيقة خبر الله لمن نظر فيه أنه لا شيء كان أو يكون إلا وقد أحصاه الله جل ثناؤه فيه ، وأنه لا يعزب عن الله علم شيء من خلقه حيث كان من سمائه وأرضه . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَما يَعْزُبُ يقول : لا يغيب عنه . حدثني محمد بن عمارة ، قال : ثنا عبد الله ، قال : أخبرنا إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ قال : ما يغيب عنه . القول في تأويل قوله تعالى : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يقول تعالى ذكره : ألا إن أنصار الله لا خوف عليهم في الآخرة من عقاب الله ؛ لأَن الله رضي عنهم فآمنهم من عقابه ، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا . والأَولياء جمع ولي ، وهو النصير . وقد بينا ذلك بشواهده . واختلف أهل التأويل فيمن يستحق هذا الاسم ، فقال بعضهم : هم قوم يذكر الله لرؤيتهم لما عليهم من سيما الخير والإِخبات . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب وابن وكيع ، قالا : ثنا ابن يمان ، قال : ثنا ابن أبي ليلى ، عن الحكم ، عن مقسم ، وسعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ قال : الذين يذكر الله لرؤيتهم . حدثنا أبو كريب وأبو هشام قالا : ثنا ابن يمان ، عن أشعث بن إسحاق ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثله . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن العلاء بن المسيب ، عن أبي الضحى ، مثله . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا جرير ، عن العلاء بن المسيب ، عن أبيه المسيب : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ قال : الذين يذكر الله لرؤيتهم . حدثنا ابن وكيع قال : ثنا ابن مهدي وعبيد الله ، عن سفيان ، عن العلاء بن المسيب ، عن أبي الضحى ، قال : سمعته يقول في هذه الآية : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ قال : من الناس مفاتيح إذا رأوا ذكر الله لرؤيتهم . حدثنا ابن وكيع قال : ثنا أبي ، عن مسعر ، عن سهل أبي الأَسد ، عن سعيد بن جبير ، قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولياء الله ، فقال " الذين إذا رأوا ذكر الله " . حدثنا ابن وكيع قال : ثنا زيد بن حباب ، عن سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي وائل ، عن عبد الله : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ قال : الذين إذا رأوا ذكر الله لرؤيتهم . حدثنا ابن وكيع قال : ثنا أبو يزيد الرازي ، عن يعقوب